ابن أبي مخرمة

405

قلادة النحر في وفيات أعيان الدهر

الشعراء ؛ عجبا لكم ما أشد حسدكم ! إن أحدكم يأتينا يمدحنا بقصيدة يشبب فيها بصديقته بخمسين بيتا ، فما يبلغها حتى تذهب لذاذة مدحه ورونق شعره ، وقد أتى أبو العتاهية يشبب بأبيات يسيرة ، ثم قال كذا وكذا ، وأنشد الأبيات المذكورة ، فما لكم منه تغارون ؟ ! وحكى صاحب « الفصوص » في اللغة : أن أبا العتاهية زار يوما بشار بن برد ، فقال لبشار : إني لأستحسن قولك اعتذارا من البكاء إذ تقول : [ من مجزوء الكامل ] كم من صديق لي أسا * رقه البكاء من الحياء وإذا تفطن لامني * فأقول ما بي من بكاء لكن ذهبت لأرتدي * فطرفت عيني بالرداء فقال بشار : أيها الشيخ ؛ ما عرفته إلا من بحرك ، ولا شربته إلا من قدحك ، وأنت السابق حيث تقول : [ من الوافر ] وقالوا قد بكيت فقلت كلا * وهل يبكي من الجزع الجليد فقالوا ما لدمعهما سواء * أكلتا مقلتيك أصاب عود يحكى أن أبا العتاهية كان قد امتنع من الشعر ، فأمر المهدي بحبسه في سجن الجرائم ، فلما دخله . . رأى منظرا هاله ، فدهش ، فطلب موضعا يأوي إليه ، فإذا بكهل حسن البزة والوجه ، عليه سيما الخير ، فقصده وجلس إليه من غير سلام لما هو فيه من الجزع والحيرة ، وإذا بالرجل ينشد : [ من الطويل ] تعودت مس الضر حتى ألفته * وأسلمني حسن العزاء إلى الصبر وصيرني يأسي من الناس واثقا * بحسن صنيع اللّه من حيث لا أدري قال : فاستحسنت البيتين ، وتبركت بهما ، وثاب إلي عقلي فقلت له : تفضل أعزك اللّه بإعادتهما علي ، فقال : يا إسماعيل ؛ ويحك ما أسوأ أدبك وأقلّ عقلك ومروءتك ! دخلت ولم تسلم علي تسليم المسلم ، ولا سألتني مسألة الوارد على المقيم حتى سمعت مني بيتين من الشعر ، لم يجعل اللّه فيك خيرا ولا أدبا ولا معاشا غيره ، فطفقت تستنشدني ابتداء كأن بيننا أنسا وسالف مودة توجب بسط القبض ، ولم تذكر ما كان منك ، ولا اعتذرت عما بدا من إساءتك وقلة أدبك ، فقلت : اعذرني متفضلا ، فدون ما أنا فيه يدهش ، قال : وفيم أنت ؟ ! تركت الشعر الذي هو جاهك عندهم ، وسبيلك إليهم ، والآن تقوله فتطلق ، وأنا